لا تكن مدير كلام ، كن مدير أفعال

لا تكن مدير كلام ، كن مدير أفعال
فهم شخصي استلهمته من سورة الكهف، الآيتان ٢٣ و٢٤
فهم عبدالرحمن زيدان
﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ﴾ — سورة الكهف، الآيتان ٢٣–٢٤
تنويه: ما يلي خاطرة شخصية وفهم استلهمه عبدالرحمن زيدان من تدبّر هذه الآية الكريمة، ولا يُعدّ تفسيراً دينياً أكاديمياً ، بل هي من اللطائف فقط .
المقدمة : عندما يكون الكلام أرخص من الهواء
في بداية رحلة عبدالرحمن زيدان عام 1999 : كان يعد العملاء بكل شيء ، سأرسل لك العرض غداً ، سأتابع معك نهاية الأسبوع ، وعدتك بالسعر الأفضل .
وكان يتساءل لماذا يفقد الناس ثقتهم بي رغم نواياي الصادقة؟
الجواب كان في كتاب رب العالمين، في آية قرأها مئات المرات، لكننه لم يفهمها إلا حين وقف أمامها بعقل تاجر لا بلسان عابد.
القراءة الأولى : “لا تقولنَّ لشيء”
الآية تبدأ بنهي مطلق: لا تقولنَّ لشيء.
لاحظ الكلمة: لشيء وليس للناس أو لأحد
في اللغة العربية، “شيء” تشمل كل موجود ، والإنسان نفسه من ضمن الأشياء ، يعني النهي عام وشامل، موجّه لكل مخاطب، في كل موقف، في كل علاقة.
الله لا يقول لك: “لا تقل للناس فقط” ، يقول لك: لا تُعلن عزمك على فعل شيء في المستقبل لأي كان ولأي سبب.
القراءة الثانية : “إلا أن يشاء الله”
هنا كانت اللحظة التي غيّر فهمه كلياً ،معظم الناس يفهمون هذا الاستثناء على أنه: “قل إن شاء الله بلسانك وانتهى الأمر”
لكن أنا فهم شيئاً مختلفاً تماماً: مشيئة الله ليست كلمة هي فعل يتجسد في الواقع.
حين يشاء الله لأمر أن يكون، تتوافر أسبابه ، تنعقد شروطه ، تتضح صورته أمامك.
فإذا كنت تريد السفر:
- مشيئة الله لم تتجسد بعد حين تقول “بكرا سأسافر”
- مشيئة الله تجسّدت حين تحجز التذكرة، وتجهّز الأغراض، وتتأكد من الفيزا، وتغلق باب البيت خلفك
عندها فقط أخبر الناس ، لأن الخبر حينها حقيقة، لا وعد.
القراءة الثالثة : “واذكر ربك إذا نسيت”
هنا يقع كثيرون في خطأ الفهم الحرفي: يظنون المعنى “قل إن شاء الله إذا نسيت.”
لكن “اذكر ربك” أعمق من ذلك بكثير.
اذكر الله يعني: تذكّر أن الله هو المعطي والمسبّب.
حين تنسى هذه الحقيقة، تصبح أسير كلامك ، تتورط في وعود أكبر من قدرتك ، تبيع ما لا تملك ، وتُحرج من حولك بتوقعات لم تكن في يدك أصلاً.
أما حين تتذكر أن الله هو المسبّب، تُعيد حساباتك ، تنظر في واقعك ، وتُقرّر: هل الأسباب متوفرة أم لا؟
القراءة الرابعة “وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً”
هذا الدعاء في نهاية الآية ليس ختاماً شكلياً هو منهج حياة.
“لأقرب من هذا رشداً” تعني: أسألك يا ربي أن تُريني الطريق الأقصر والأوضح لتحقيق هدفي.
يعني حتى بعد أن تجمع الأسباب وتُكمل التحضير، ابقَ متواضعاً.
ادعُ الله أن يُبيّن لك إن كان هذا هو أفضل طريق، أو أن هناك طريقاً أقرب لم تره بعد.
كيف أطبّق هذا في المبيعات – تعليق عبدالرحمن زيدان بنفسه
منذ أن فهمت هذه الآية بهذا الشكل، غيّرت طريقتي في التعامل مع العملاء جذرياً:
قبل ذلك كنت أقول: “سأرسل لك العرض غداً إن شاء الله.”
بعد ذلك صرت: أفتح الحاسوب، أُعدّ العرض، وأرسله ، ثم أتصل وأقول: “وصلك العرض.”
قبل ذلك كنت أقول: “سأتابع معك الأسبوع القادم بكرا.”
بعد ذلك صرت: أضع الموعد في الأجندة، أُرسل تذكيراً للعميل، ثم أُخبره: “حجزت لك وقتاً الثلاثاء الساعة الحادية عشرة.”
الفرق:
- الأول يبيع وعوداً
- الثاني يُقدّم وقائع
والناس في أعماقهم يشترون من مَن يُقدّم وقائع، لا من مَن يصنع وعوداً.
الخلاصة : الرسالة التي حملتها من هذه الآية
الله سبحانه وتعالى يُعلّمنا في هذه الآية منهجاً متكاملاً للتعامل مع المستقبل:
أولاً: لا تُعلن نيتك لأحد قبل أن تتحرك.
ثانياً: المشيئة الحقيقية لله تُرى في اكتمال الأسباب، لا في جملة تقولها.
ثالثاً: حين تنسى هذا المبدأ، تذكّر أن الله هو المعطي وأعد حساباتك.
رابعاً: ابقَ دائماً في حالة طلب الهداية للطريق الأفضل والأقرب.
هذا ليس فقط تعليماً دينياً هو فلسفة عمل، ومنهج علاقات، وطريقة تفكير.
لا تكن مدير كلام — كن مدير أفعال ، المشيئة الحقيقية تُرى في الواقع، لا تُسمع في الكلام.
فهم شخصي استلهمه عبدالرحمن زيدان من تدبّر آية الكهف ٢٣–٢٤، ويطبّقه في مسيرته المهنية في المبيعات.