كوتلر لزيدان: تأسيس تخصص المبيعات في الجامعات يمنحه أسسًا نظرية وفلسفية


في لحظة تُعدّ فارقة في مسار العلاقة بين الأكاديميا وسوق العمل في العالم العربي، قال البروفيسور فيليب كوتلر — الأب الروحي للتسويق الحديث — للمستشار عبدالرحمن زيدان:
«أُثمّن جهودك في تأسيس تخصص المبيعات في الجامعات، فوجوده كحقل أكاديمي سيمنحه أسسًا نظرية وفلسفية، ويُسهم في تطوير مفهومه وتطبيقاته في سوق العمل.»
عبارة قصيرة، لكنها تحمل في طيّاتها تشخيصًا دقيقًا لواحدة من أكبر الفجوات في التعليم الإداري: أنّ المبيعات — المهنة التي تُشغّل الاقتصاد وتُدير الإيرادات وتصنع النمو — بقيت لعقود بلا مقعد ثابت في قاعات الجامعات.
لماذا بقيت المبيعات خارج الجامعة كل هذه السنوات؟
درجت كليات إدارة الأعمال على تدريس التسويق والإدارة والمالية والمحاسبة، بينما اختُصرت المبيعات إلى فصل واحد داخل مقرر التسويق، أو إلى مهارات تُكتسب «في الميدان». وقد كرّس ذلك ثلاث مشكلات:
- غياب الإطار النظري: تُمارَس المبيعات بالخبرة الشخصية والحدس، لا بنموذج علمي قابل للتعليم والقياس والتكرار.
- الصورة الذهنية المشوّهة: ارتبطت المهنة في الوعي العام بالإلحاح والإقناع بأي ثمن، بدل أن تُفهم كعلم في خلق القيمة وبناء الثقة.
- فجوة التأهيل: يتخرّج الطالب ثم يُلقى في أول وظيفة بيعية دون أدوات: لا منهجية اكتشاف احتياج، ولا إدارة خط أنابيب، ولا قراءة مؤشرات، ولا أخلاقيات تفاوض.
ماذا يعني «حقل أكاديمي» للمبيعات فعليًا؟
حين يقول كوتلر إنّ التخصص سيمنح المبيعات «أسسًا نظرية وفلسفية»، فهو يتحدث عن انتقال المهنة من مستوى المهارة الفردية إلى مستوى المعرفة المؤسسية. وهذا الانتقال يتطلب أربع طبقات:
1) طبقة فلسفية: ما هي المبيعات أصلًا؟
المبيعات ليست انتزاع قرار من العميل، بل مساعدته على اتخاذ قرار صحيح. هذه الطبقة تُجيب عن أسئلة القيمة، والنزاهة، والمسؤولية تجاه العميل والمجتمع — وهي ما يحمي المهنة من الانزلاق إلى «البيع بأي ثمن».
2) طبقة نظرية: نماذج قابلة للتعليم
سلوك المشتري، رحلة القرار الشرائي، اقتصاديات الثقة، نظرية التفاوض، دورة حياة العميل، وتصميم عملية البيع كنظام لا كموهبة.
3) طبقة تحليلية: المبيعات كأرقام
معدلات التحويل، متوسط قيمة الصفقة، طول الدورة البيعية، كلفة الاستحواذ، القيمة العمرية للعميل، والتنبؤ بالإيراد. من دون هذه الطبقة تبقى الإدارة تصرخ «ارفعوا الأرقام» بلا خريطة.
4) طبقة تطبيقية: مختبر لا مدرّج
محاكاة، دراسات حالة محلية، تدريب ميداني معتمد، ومراجعة تسجيلات مكالمات واجتماعات — أي أن يتعلم الطالب المهنة كما يتعلم طالب الطب في المستشفى.
الأثر على سوق العمل
الجزء الثاني من كلام كوتلر هو الأهم عمليًا: «ويُسهم في تطوير مفهومه وتطبيقاته في سوق العمل». فعندما يصبح للمبيعات مرجعية أكاديمية، تتغيّر أشياء ملموسة:
- تتحول مسمّيات الوظائف من «مندوب» إلى مسار مهني متدرّج له معايير كفاءة واضحة.
- تنخفض كلفة دوران الموظفين، لأن التأهيل يسبق التوظيف بدل أن يأتي بعد فشل السنة الأولى.
- تُبنى عمليات بيع مؤسسية لا تنهار بمغادرة شخص واحد يحمل العلاقات في هاتفه.
- يرتفع مستوى الثقة في الأسواق: عميل يُنصح لا عميل يُستهدف.
- تنشأ بحوث محلية بدل استيراد نماذج مصمّمة لأسواق مختلفة ثقافيًا واقتصاديًا.
خريطة طريق مقترحة لتأسيس التخصص
- توصيف علمي للتخصص: مخرجات تعلّم، ومصفوفة كفايات، ومقارنة مرجعية مع أفضل الممارسات العالمية.
- حزمة مقررات أساسية: مبادئ المبيعات، سلوك المشتري، التفاوض، إدارة فرق البيع، تحليلات المبيعات، أخلاقيات المهنة، تقنيات وأتمتة (CRM).
- شراكة أكاديمية–صناعية: شركات تفتح بياناتها وحالاتها، وجامعات تُصدر بحوثًا تُستخدم فعلًا في القرار.
- هيئة تدريس مزدوجة: أكاديمي يضبط المنهج، وممارس يضبط الواقع.
- اعتماد مهني: شهادة كفاءة تُعترف بها الشركات كشرط أو ميزة في التوظيف.
- مرصد وطني للمبيعات: يقيس الإنتاجية البيعية ويصدر تقارير سنوية تُغذّي المنهج.
من مهنة بالفطرة إلى علم بالمنهج
ما يقوله كوتلر ليس مجاملة، بل توصيف لمشروع: أن نُخرج المبيعات من دائرة «الموهبة الشخصية» إلى دائرة العلم المنهجي. وحين يحدث ذلك، لا يكسب الطالب وظيفة أفضل فقط، بل يكسب الاقتصاد قدرة أعلى على تحويل المنتجات إلى إيرادات، والإيرادات إلى نمو مستدام.
وهذه بالضبط رسالتنا في eAmira: أن نُبني المعرفة البيعية على أساس علمي، ونضعها بين يدي كل من يريد أن يبيع باحترافٍ وثقةٍ ونزاهة.
